السيد محمد حسين فضل الله

211

من وحي القرآن

باعتبار أنه أستاذهم الكبير الذي علمهم السحر - كما في آيات أخرى - فأرادهم أن يقوموا بهذه التمثيلية ، لإظهاره في موقف المنتصر في مقابل فرعون الذي يقف في موقف المهزوم . فبدأ عملية التهديد والوعيد لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . وبدأت عملية حرب الأعصاب بالتهديد بالعذاب وقطع الأيدي والأرجل والصلب ليتراجعوا ، فلم يتراجعوا ، وواجهوه بالإيمان القويّ الصامد الذي لا يتزلزل ، ولا ينهار ، ولا يتراجع أمام كل أساليب التهويل والتهديد ، وكان الموقف من أسمى المواقف التي تجسد الثبات على العقيدة أمام قوى الكفر والطغيان حتى الموت . * * * السحرة التائبون يسألون الله الصبر قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ماذا تريد أن تفعل ؟ هل هناك أكثر من الموت ؟ وماذا في الموت ، وماذا بعده ؟ إننا سننقلب إلى ربنا وسنرجع إليه ، وسنجد عنده كل رحمة ومغفرة ورضوان ، وسيدخلنا اللَّه جنّته حيث السعادة كلّ السعادة ، والرضا كل الرضا ، وبذلك فإن التهديد لا يمكن أن يمثل أيّ ضغط نفسيّ أو ماديّ لحساب التراجع ، فنحن لن نتراجع أبدا ، لأننا لا نشعر بالسقوط أمام ذلك كله . وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا . وماذا فعلنا حتى تواجهنا بهذه المواجهة القاسية ؟ ولماذا تنقم علينا ؟ هل هناك شيء سوى أننا آمنا بآيات ربنا عندما جاءتنا بالحقيقة الواضحة الناصعة ؟ ! وهل الإذعان للحقّ الواضح الصريح جريمة يستحقّ الإنسان العقاب عليها ؟ ! أيّ معنى لذلك كله ، سوى أن الطغاة يخافون من حركة الإيمان في أفكار الناس ، قبل أن يخافوا من حركته في حياتهم ؟ ! لأنهم يعرفون جيدا ما معنى الصدق في الإيمان ، وكيف يتحول إلى صدق في الموقف أمام كل تحديات الحياة